أحمد بن محمد المقري التلمساني
27
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
[ حديث المؤلف عن وطنه وحنينه إليه 27 ] أما بعد حمد اللّه مالك الملك ، والصلاة على رسوله المنجي من الهلك ، والرضا عن آله وصحبه الذين تجلّت بأنوارهم الظلم الحلك ، وعن العلماء الأعلام ، الخائضين بحار الكلام ، المستوين من البلاغة على الفلك - فيقول العبد الحقير المذنب ، الذي هو إلى رحمة ربّه الغنيّ فقير ، المقصّر المتبرىء من الحول والقوة ، المتمسّك بأذيال الخدمة للسّنّة والنبوّة ، وذلك بفضل اللّه أمان وبراءة ، الضعيف الفاني ، الخطّاء « 1 » الجاني ، من هو من لباس التقوى عريّ ، أحمد بن محمد بن أحمد ، الشهير بالمقّريّ ، المغربيّ المالكي الأشعري ، التّلمساني المولد والمنشإ والقراءة ، نزيل فاس الباهرة ثم مصر القاهرة ، أصلح اللّه أحواله الباطنة والظاهرة ، وجعله من ذوي الأوصاف الزكيّة والخلال الطاهرة ، وسدّد في كل قصد أنحاءه وآراءه ووفّقه بمنّه وكرمه للأعمال الصالحة ، والطاعات الناجحة والرّاجحة ، والمتاجر المغبوطة الرابحة ، والمساعي الغادية بالخير الرائحة ، ووقاه ما بين يده ووراءه ، وكفاه مكر الكائد وافتراءه ، وجدال الحاسد المستأسد ومراءه ، وجعل فيما يرضيه سومه « 2 » وشراءه ! آمين : إنه لمّا قضى الملك الذي ليس لعبيده في أحكامه تعقّب أو ردّ ، ولا محيد عمّا شاءه سواء كره ذلك المرء أو ردّ ، برحلتي من بلادي ، ونقلتي عن محلّ طارفي وتلادي « 3 » ، بقطر المغرب الأقصى ، الذي تمّت محاسنه لولا أنّ سماسرة الفتن سامت بضائع أمنه نقصا ، وطما به بحر الأهوال فاستعملت شعراء العيث « 4 » في كامل رونقه من الزحاف إضمارا وقطعا ووقصا « 5 » : [ مجزوء الكامل ] قطر كأنّ نسيمه * نفحات كافور ومسك وكأنّ زهر رياضه * درّ هوى من نظم سلك وذلك أواخر رمضان من عام سبعة وعشرين بعد الألف ، تاركا المنصب والأهل والوطن والإلف : [ الخفيف ] بلد طاب لي به الأنس حينا * وصفا العود فيه والإبداء فسقت عهده العهاد وروّت * منه تلك النوادي الأنداء « 6 »
--> ( 1 ) الخطّاء : الكثير الخطأ . مبالغة اسم الفاعل . ( 2 ) السّوم : عرض البائع البضاعة وذكره ثمنها ، وطلب المشتري البضاعة ومعرفة ثمنها . ( 3 ) الطارف : المال الحديث ، والتلاد : المال القديم الموروث . ( 4 ) العيث : عاث يعيث عيثا وعيوثا وعيثانا : أفسد . ( 5 ) الوقص : العيب والنقص . ( 6 ) العهاد : أول مطر السنة . والأنداء : جمع ندى : المطر . أو قطرات الماء التي تسقط في بعض الليالي .